فخر الدين الرازي

63

تفسير الرازي

تعالى عنه بقوله : * ( ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك وجعلنا لهم أزواجاً وذرية ) * وبالجملة فهذا الكلام يصلح أن يكون جواباً عن الشبهة المتقدمة ويصلح أن يكون جواباً عن هذه الشبهة ، فقد كان لسليمان عليه السلام ثلاثمائة امرأة مهيرة وسبعمائة سرية ولداود مائة امرأة . والشبهة الرابعة : قالوا لو كان رسولاً من عند الله لكان أي شيء طلبنا منه من المعجزات أتى به ولم يتوقف ولما لم يكن الأمر كذلك علمنا أنه ليس برسول ، فأجاب الله عنه بقوله : * ( وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله ) * وتقريره : أن المعجزة الواحدة كافية في إزالة العذر والعلة ، وفي إظهار الحجة والبينة ، فأما الزائد عليها فهو مفوض إلى مشيئة الله تعالى إن شاء أظهرها وإن شاء لم يظهرها ولا اعتراض لأحد عليه في ذلك . الشبهة الخامسة : أنه عليه السلام كان يخوفهم بنزول العذاب وظهور النصرة له ولقومه . ثم إن ذلك الموعود كان يتأخر فلما لم يشاهدوا تلك الأمور احتجوا بها على الطعن في نبوته ، وقالوا : لو كان نبياً صادقاً لما ظهر كذبه . فأجاب الله عنه بقوله : * ( لكل أجل كتاب ) * يعني نزول العذاب على الكفار وظهور الفتح والنصر للأولياء قضى الله بحصولها في أوقات معينة مخصوصة ، ولكل حادث وقت معين * ( ولكل أجل كتاب ) * فقبل حضور ذلك الوقت لا يحدث ذلك الحادث فتأخر تلك المواعيد لا يدل على كونه كاذباً . الشبهة السادسة : قالوا : لو كان في دعوى الرسالة محقاً لما نسخ الأحكام التي نص الله تعالى على ثوبتها في الشرائع المتقدمة نحو التوراة والإنجيل ، لكنه نسخها وحرفها نحو تحريف القبلة ، ونسخ أكثر أحكام التوراة والإنجيل ، فوجب أن لا يكون نبياً حقاً . فأجاب الله سبحانه وتعالى عنه بقوله : * ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) * ويمكن أيضاً أن يكون قوله : * ( لكل أجل كتاب ) * كالمقدمة لتقرير هذا الجواب ، وذلك لأنا نشاهد أنه تعالى يخلق حيواناً عجيب الخلقة بديع الفطرة من قطرة من النطفة ثم يبقيه مدة مخصوصة ثم يميته ويفرق أجزاءه وأبعاضه فلما لم يمتنع أن يحيي أولاً ، ثم يميت ثانياً فكيف يمتنع أن يشرع الحكم في بعض الأوقات ، ثم ينسخه في سائر الأوقات فكان المراد من قوله : * ( لكل أجل كتاب ) * ما ذكرناه ، ثم إنه تعالى لما قرر تلك المقدمة قال : * ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) * والمعنى : أنه يوجد تارة ويعدم أخرى ، ويحيي تارة ويميت أخرى ، ويغني تارة ويفقر أخرى فكذلك لا يبعد أن يشرع الحكم تارة ثم ينسخه أخرى بحسب ما اقتضته المشيئة الإلهية عند أهل السنة أو بحسب ما اقتضته